اشتهرت عدد من مدن الأندلس بصناعات مختلفة كمالقة وألمرية وغرناطة وغيرها التي استطاعت أن تحافظ على كثير من الصناعات التقليدية الأندلسية بسبب هجرة اليد العاملة إليها من المدن التي شرد الإسبان سكانها، إلى جانب جاليات أخرى؛ فتنوعت صناعات مملكة غرناطة كصناعة النسيج، وصناعة الفخار، وصناعة الرخام وصناعة المعادن، وصناعة الزجاج، وصناعة الزيوت، وصناعة السفن، وصناعة السلاح... فغدت هذه المملكة تعج بالنجارين والمهندسين والزلاجين والخياطين والعشابين والسراجين والحدادين. وقد تعاون هؤلاء الفنانون في حرفاتهم، واستطاعوا إبراز الفن الحرفي الغرناطي في أبهى حلله، كما بدا في قصورهم العملاقة ومنازلهم الرائعة.
صناعة النسيج: إن توافر أشجار التوت في وادي آش وبسطة والمنكب وبفحص جبل الثلج Sierra Nivada، والقطن والكتان اللذين يزرعان بغرناطة، وتوافر مواد الصباغة كالقرمز، جعل صناعة النسيج من أهم الأنشطة الصناعية لدى أهاليها؛ فقد كانت تحاك في غرناطة أنسجة من الحرير والصوف والقطن والكتان والمرعزي. وكان أهلها يصبغون ثيابهم بالعصفر والقرمز الموجود بفحص غرناطة ونواحيها. كان لباسهم الغالب في الشتاء الملف المصبوغ، أما في الصيف فيرتدون الحرير والقطن والكتان والأردية الإفريقية والمرعزي. وقد نوه الجغرافيون كثيراً بكتان غرناطة كالحميري الذي أشار إلى كتان منطقة إلبيرة، وأكد أنه أجود من كتان النيل، والحرير الذي فضله ابن الخطيب على حرير البلاد العراقية من حيث الرقة والليونة، وقد أتقن أهل غرناطة هذه الصناعة التي كانوا ينتجون منها ثياب اللباس المحررة الصنف والذي كان يعرف بالملبد المختم، وهو ألوان عجيبة، والبسط التي كانت تباع ببلاد المشرق بأثمان باهظة.
لم تكن المدن التابعة لغرناطة بمنأى عن تلك الصناعة، فقد كان هذا النوع من الثياب المحررة يصنع أيضاً بمدينة بسطة، التي كانت تتوفر فيها مادة الحرير، فكانت تصنع بها طرز الوطاء من الديباج الذي لا يعلم له نظير. كما اشتهرت مدينة مالقة بصناعة الحلل الحريرية الموشاة بخيوط الذهب والفضة والتي كان أهل المشرق ينبهرون من حسن صنعها وإتقانها، وغالباً ما كانت تصدر من هاتين الصناعتين كميات كبيرة خاصة إلى حلب وصنعاء. وقيل: إن المدن الإيطالية التي كانت تشتهر في العصور الوسطى بصناعة الحرير قد نقلت هذه الصناعة عن الأندلسيين، إذ كانت مدينة فلورنسيا الإيطالية تستورد كميات هائلة من الحرير من غرناطة منذ القرن الرابع عشر حتى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. وكان حرير غرناطة كثيراً، فائقاً مقدماً على غيره. واتخذت المنسوجات الأندلسية في عهد بني نصر أسلوباً خاصاً، وربما تأثرت بروائع الفنون والزخارف الجصية التي كست جدران قصور الحمراء، فاختلفت ألوانها من اللون الأصفر الذهبي إلى الأحمر والأزرق والأسود. ولاتزال كنيسة سان سبستيان تحتفظ بحلة دينية تعرف باسم حلة "سانت أوفميا"، قيل: إنها صنعت من علم غنمه المسيحيون في معركة ضد الجيش الغرناطي عام 1424م، وتتكون زخرفتها من مناطق ذهبية على أرضية حمراء وخضراء وزرقاء، كتب على جوانبها عبارة: "عز لمولانا السلطان". وكانت مدينة مالقة تحظى بقصب السبق في صناعة الحلل الموشاة خاصة المنسوجات الحريرية، وتأتي بعدها مرسية وألمرية. وكانت هذه الحلل تحتوي على صور عجيبة برسم الخلفاء ومن دونهم.
صناعة الجلود: اشتهرت بهذه الصناعة مدينة مالقة خاصة الأغشية والحزم، وصناعة الجلود الغليظة المسماة "بالسفن" التي تستخدم في صناعة مقابض السيوف. وكان الدباغون في معظم الأوقات ينزلون من أطراف المدينة تجاه الأنهار هرباً من رائحة صناعتهم. وقد استمرت صناعة الجلود الملونة الفاخرة حتى نفي الموريسكيون من الأندلس. وعلى يدهم انتقلت إلى أوربا.
صناعة الخشب: وفق الأشارات التي وردت في كتب بعض الجغرافيين والرحالة، كانت غرناطة تتوافر فيها ثروات غابوية مهمة، تكسو معظم بسائطها، كمدينة وادئ آش ونواحيها وشلوبرينية Salobrena التي كانت تكثر فيها أشجار البلوط. أما "جبل الثلج" فكانت تكسوه غابات الصنوبر التي تصلح أخشابها لصناعة السفن والمراكب التي اشتهرت بصناعتها مدينة ألمرية التي وجدت فيها دار لصناعة السفن في عهد دولة بني نصر. وإلى جانب السفن أورد العديد من الكتب الأندلسية العديد من التحف الفنية المصنوعة من الخشب كمنبر مسجد إشبيلية ومقصورته ومسجد الزهراء، لكن أروع ما تخلف من التحف على عهد النصريين أسقف قصور الحمراء الخشبية التي اتخذت أشكالاً هندسية رائعة، وأروع ما برع فيه نحاتو الخشب بغرناطة صناعة الأعتاب والنوافذ والتشكيلات ومصاريع الأبواب التي تتألف من حشوات هندسية متداخلة رُصع بعضها بالعاج، كما تفنن هؤلاء النقاشون على الخشب في تزويق الصناديق والطاولات والكراسي.
الحياة الاجتماعية في غرناطة في عصر دولة بني الأحمر، بتصرف،
أحمد ثاني الدوسري
المجمع الثقافي أبوظبي ـ 2004
http://www.andalusite.ma/index.php?option=com_content&view=article&id=360:2012-08-13-13-45-19&catid=30:echo
صناعة النسيج: إن توافر أشجار التوت في وادي آش وبسطة والمنكب وبفحص جبل الثلج Sierra Nivada، والقطن والكتان اللذين يزرعان بغرناطة، وتوافر مواد الصباغة كالقرمز، جعل صناعة النسيج من أهم الأنشطة الصناعية لدى أهاليها؛ فقد كانت تحاك في غرناطة أنسجة من الحرير والصوف والقطن والكتان والمرعزي. وكان أهلها يصبغون ثيابهم بالعصفر والقرمز الموجود بفحص غرناطة ونواحيها. كان لباسهم الغالب في الشتاء الملف المصبوغ، أما في الصيف فيرتدون الحرير والقطن والكتان والأردية الإفريقية والمرعزي. وقد نوه الجغرافيون كثيراً بكتان غرناطة كالحميري الذي أشار إلى كتان منطقة إلبيرة، وأكد أنه أجود من كتان النيل، والحرير الذي فضله ابن الخطيب على حرير البلاد العراقية من حيث الرقة والليونة، وقد أتقن أهل غرناطة هذه الصناعة التي كانوا ينتجون منها ثياب اللباس المحررة الصنف والذي كان يعرف بالملبد المختم، وهو ألوان عجيبة، والبسط التي كانت تباع ببلاد المشرق بأثمان باهظة.
لم تكن المدن التابعة لغرناطة بمنأى عن تلك الصناعة، فقد كان هذا النوع من الثياب المحررة يصنع أيضاً بمدينة بسطة، التي كانت تتوفر فيها مادة الحرير، فكانت تصنع بها طرز الوطاء من الديباج الذي لا يعلم له نظير. كما اشتهرت مدينة مالقة بصناعة الحلل الحريرية الموشاة بخيوط الذهب والفضة والتي كان أهل المشرق ينبهرون من حسن صنعها وإتقانها، وغالباً ما كانت تصدر من هاتين الصناعتين كميات كبيرة خاصة إلى حلب وصنعاء. وقيل: إن المدن الإيطالية التي كانت تشتهر في العصور الوسطى بصناعة الحرير قد نقلت هذه الصناعة عن الأندلسيين، إذ كانت مدينة فلورنسيا الإيطالية تستورد كميات هائلة من الحرير من غرناطة منذ القرن الرابع عشر حتى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. وكان حرير غرناطة كثيراً، فائقاً مقدماً على غيره. واتخذت المنسوجات الأندلسية في عهد بني نصر أسلوباً خاصاً، وربما تأثرت بروائع الفنون والزخارف الجصية التي كست جدران قصور الحمراء، فاختلفت ألوانها من اللون الأصفر الذهبي إلى الأحمر والأزرق والأسود. ولاتزال كنيسة سان سبستيان تحتفظ بحلة دينية تعرف باسم حلة "سانت أوفميا"، قيل: إنها صنعت من علم غنمه المسيحيون في معركة ضد الجيش الغرناطي عام 1424م، وتتكون زخرفتها من مناطق ذهبية على أرضية حمراء وخضراء وزرقاء، كتب على جوانبها عبارة: "عز لمولانا السلطان". وكانت مدينة مالقة تحظى بقصب السبق في صناعة الحلل الموشاة خاصة المنسوجات الحريرية، وتأتي بعدها مرسية وألمرية. وكانت هذه الحلل تحتوي على صور عجيبة برسم الخلفاء ومن دونهم.
صناعة الجلود: اشتهرت بهذه الصناعة مدينة مالقة خاصة الأغشية والحزم، وصناعة الجلود الغليظة المسماة "بالسفن" التي تستخدم في صناعة مقابض السيوف. وكان الدباغون في معظم الأوقات ينزلون من أطراف المدينة تجاه الأنهار هرباً من رائحة صناعتهم. وقد استمرت صناعة الجلود الملونة الفاخرة حتى نفي الموريسكيون من الأندلس. وعلى يدهم انتقلت إلى أوربا.
صناعة الخشب: وفق الأشارات التي وردت في كتب بعض الجغرافيين والرحالة، كانت غرناطة تتوافر فيها ثروات غابوية مهمة، تكسو معظم بسائطها، كمدينة وادئ آش ونواحيها وشلوبرينية Salobrena التي كانت تكثر فيها أشجار البلوط. أما "جبل الثلج" فكانت تكسوه غابات الصنوبر التي تصلح أخشابها لصناعة السفن والمراكب التي اشتهرت بصناعتها مدينة ألمرية التي وجدت فيها دار لصناعة السفن في عهد دولة بني نصر. وإلى جانب السفن أورد العديد من الكتب الأندلسية العديد من التحف الفنية المصنوعة من الخشب كمنبر مسجد إشبيلية ومقصورته ومسجد الزهراء، لكن أروع ما تخلف من التحف على عهد النصريين أسقف قصور الحمراء الخشبية التي اتخذت أشكالاً هندسية رائعة، وأروع ما برع فيه نحاتو الخشب بغرناطة صناعة الأعتاب والنوافذ والتشكيلات ومصاريع الأبواب التي تتألف من حشوات هندسية متداخلة رُصع بعضها بالعاج، كما تفنن هؤلاء النقاشون على الخشب في تزويق الصناديق والطاولات والكراسي.
الحياة الاجتماعية في غرناطة في عصر دولة بني الأحمر، بتصرف،
أحمد ثاني الدوسري
المجمع الثقافي أبوظبي ـ 2004
http://www.andalusite.ma/index.php?option=com_content&view=article&id=360:2012-08-13-13-45-19&catid=30:echo
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق