عند الحديث عن السوق الشعبي في الموصل، لابد لنا من الإشارة إلى أن هذه الأسواق قد لعبت دوراً مهماً في التعامل التجاري بين أبناء الموصل وضواحيها، فضلاً
عن اكتساب المهنة أو الحرفة التي تُعين الإنسان أو الفرد في المجتمع الموصلي على العيش، وتخَّرجَ في هذه الأسواق تجار، وأرباب حرف مهمة، بعضها ساد، وبعضها باد، ونحن اليوم نتحدث عن (تحت المنارة) أو ما عُرِِف بسوق المنارة، نسبة إلى المنارة القريبة منه، وهي منارة جامع الأغوات، أو ما عُرف في بعض الأوقات في السنوات الأخيرة قبل الاحتلال الأمريكي في 2003/3/9م بـ (جامع أبي عبيدة الجراح).
السوق في بداية تكوينه كان في أوائل القرن السابع عشر الميلادي. يتكون من عدد كبير من الدكاكين المتلاصقة، والتي تتكون واجهتها من نصف قوس مرمري ذات قبة بيضوية، كان الأساس في البناء مادة (الجص) ثم الحجارة والحلان في الواجهة، أما أبواب هذه الدكاكين فكانت ألواحاً خشبية ذات ثلاث قطع ينطبق الواحد على الآخر بواسطة (قلابات) حديدية تصنع في السوق المجاور (سوق الحدادين) القديم، مثبتة هذه الألواح بواسطة مسامير كبيرة في واجهتها حديدية الشكل، في الواجهة كانت هذه الدكاكين لا تحتوي على عناصر فنية أو مقاطع زخرفية هامة. وكانت البناء فيها كان من نوع العقدة، إلا أن واجهة الدكان تستند إلى قناطر مرمرية، مثبتة على دعامتين من الحلان ثم يليها نصف القوس المرمري. هذا السوق كان من الأسواق القديمة في هذه المنطقة، وسط الموصل، فيه ثلاثة مداخل، المدخل الأول قريب من حائط الجامع، والمدخل الثاني للسوق يحتوي على قنطرة كبيرة تعرف (بقنطرة اليوزبكية) نسبة إلى قيسارية اليوزبكية الصغيرة والمجاورة لها أو هي تشكل المدخل أو الباب الرئيسي للسوق، وهي قنطرة فيها بعض الدكاكين، ومقببة بقبة نصف مهد بالمصطلح العمراني الشعبي، مستندة إلى أساطين مرمرية ذات طابع مزخرف ومنقوش (وهو المدخل الجنوبي) للسوق واجهة، فوقه مقهى ذات قناطر وأروقة ثم يدخل إليها من السوق.
في هذا السوق كانت العديد من الدكاكين ذات طراز معماري قديم، ولكن مع مرور الزمن حُدثت هذه الدكاكين، لا سيما الواجهة الأمامية، وألغي الباب الخشبي المتكون من الألواح بـ (الخبنك) المصنوع من الصفيح بعد أن كان من الخشب. وتنوعت هذه الدكاكين، ويقدر عددها بـ (60) دكاناً. هذا السوق ينقسم إلى أقسام ومسميات حسب المواد التي تباع فيه وكما يلي:
1- سوق تحت المنارة: ويشكل الواجهة من كرسي منارة الجامع، باتجاه القنطرة الكبيرة، وتباع فيه المواد من الخيوط والإبر ومواد التجميل التي تعرف سابقاً بـ (الحمرة والاخطاط) وبعض المواد الأخرى كان الناس في السابق يبحثون عن (نكتة) أو مقلب للشخص البسيط، إذ يطلب منه الذهاب إلى السوق وشراء (طوز وطبل وفيِّ المنارة) أي الظل. فيذهب إلى السوق ثم يكتشف السبب آنذاك، لأنه بسيط الفهم أو ما يعرف عندنا بـ (الغشيم) باللهجة الموصلية الشعبية.
تتشابه هذه الدكاكين في بنائها والزخارف البسيطة التي فيها، وهناك من يقول إن عدد الحرف في هذا السوق كانت بحدود (26) حرفة متنوعة، شملت اليوزبكي والنجار والزراعي والخضارجي، والكواز، والتتنجي، والباجه جي، والحلاق والقصاب والخياط وبائع الشربت، وشواء الفشافيش (المعلاق) ومعمل الحلاوة، وبائع الأدوات الحديثة والسوفاجي، والكالجي والحداد وغير ذلك.
2- سوق الكوازين: وهو القسم الوسطي من السوق وإلى مدخل جسر نينوى الحديدي. تميز هذا السوق بتجارة المواد التي تصنع من الطين. والتي كان البيت الموصلي لا يخلو منها، كالحب (حب الماء) وحب النفط والكوارة والسد والبرمة والبرنية والجرة والشربة (التونكة) والقدح والباطي ودلاء الماء للشرب والاستسقاء به من البئر، لعدم وجود إسالة الماء سابقاً، ولأن السَقاء كان يعتمد على الراوي الذي يجلب الماء من النهر إلى البيوت والدكاكين. في هذا الجانب الوسطي من السوق كان المواطن الموصلي يأتي لشراء حاجياته منه، وهو قريب من سوق الكمرك من واجهته. ومن هذا السوق يَدخل المواطن إلى سوق الخضارجية قديماً، أي سوق المعاش. وفي الوقت الحاضر أُهملت هذه الصناعات اليدوية واستعيضت بحرف أخرى. وتكوّن في هذه المنطقة سوق للمواد المتنوعة الحديثة.
3- سوق النجارين: امتهن البعض الآخر من هذه الدكاكين صناعة نجارة الآلات الزراعية التي يحتاجها الفلاح أو المزارع، وهي المذراة والجرجر وغير ذلك من المواد الأخرى وبعض المواد التي يحتاجها المواطن للحفر، وأدوات اللبن مثل (المخمر) وهذه الصناعة تعتمد على الخبرة الطويلة والنفس مع الهدوء النسبي للعامل أو الصانع لها. بعد ترميم هذه الدكاكين فقدت رونقها المعماري المتميز وحدثت كباقي الدكاكين.
4- سوق الحدادين: وهو الجزء الأخير من السوق يتكون من صفين من الدكاكين المتشابهة. ويفضي إلى سوق المعاش سابقاً. والآن أصبح من الماضي.
كان هذا السوق مزدهراً بعمل الأحذية الصفية (الكلاش) و(القالوش)، هذه المهنة تعتمد على المهارة اليدوية والنسيج القطني نسج ظاهر الكلاش الذي يثبت بعد ذلك على قطعة من البلاستك المستهلك من إطار السيارات، وهذه المهنة كانت مزدهرة إلى مرحلة الستينات من القرن الماضي. اما الآن فمعظم الدكاكين أصبحت للحدادة، وهذه المهنة أيضاً من المهن التي تعتمد على الخبرة والمهارة والقوة الجسدية، لأن فيها عملاً متواصلاً مع النار والطرق لصناعة ما يحتاجه المواطن من هذه المواد المصنوعة ومعظم هذه الدكاكين فيها (الكور والسندان). ولا يوجد ما يميز هذه الدكاكين عن غيرها بالفن المعماري، فهي متشابهة في البناء والتصميم. وأصبح هذا السوق يختلف تماماً عن ما كان عليه سابقاً من حيث المهن والمهارات التي كانت منتشرة فيه. لا يسعنا في هذه العجالة إلا أن نسطر هذه الملاحظات التراثية في هذا المجال وهي:
1- إجراء مسح شامل مجدد لهذا السوق، والاهتمام المباشر من قبل الآثار في الموصل والبلدية بعدم السماح بالهدم والبناء والتجديد إلا بإشراف فني معماري على أن لا يستخدم السمنت مع الجص.
2- الاهتمام من قبل البلدية بتنظيف المنطقة وعدم إهمالها واعتبار هذا السوق من الأسواق التراثية في المدينة، إذ يعود بناؤه إلى القرن السابع عشر الميلادي.
3- السيطرة التامة على إيجار أو بيع أو تشويه هذه المنطقة في حالة رفع بعض المعالم التراثية.
4- لابد أن تساهم جهة حكومية، أو منظمات المجتمع المدني بدراسة هذا السوق وإيقاف الهدم أو التعمير الكفي والتشويه العقاري، أو الاستخدامي لهذا السوق، وعدم إغفال الجانب الآثاري فيه، لأن مديرية الآثار لديها الخبرة الفنية والتراثية لمثل هذه الأبنية.
5- توثيق السوق وتصويره بالصورة والصوت بواسطة الفيديو، وجمع كل الصور والآثار المهمة لهذا السوق.
6- عقد ندوة تعريفية مستقبلاً لهذا السوق وتعريف المواطن بأهميته.
7- المباشرة بإعمار قنطرة اليوزبكية بصورة علمية وإرجاعها إلى حالتها السابقة.
هذا ولأهمية هذا السوق، لابد لنا ان نقدم الشكر والتقدير للأستاذ يوسف ذنون عندما قام وصحبه من مكتب المهندس عبد الكريم الصائغ والمهندس المرحوم عبد المجيد بتخطيط ودراسة هذا السوق معمارياً وتراثياً وفنياً في دراستهم عن العمائر الخدمية في الموصل

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق